إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1021

زهر الآداب وثمر الألباب

وتستخرج به دقائق المكايد والحيل ، وإليه تستريح الهمم ، وتسكن نوافر الأخلاق والشّيم « 1 » ، يمتّع جليسه ، ويؤنس أليفه ، وله سرور يجول في النفس ، وفرح مستكن في القلب ، وبه يتعاطف أهل المودّة ، ويتّصل أهل الألفة ، وعليه تتألَّف الأشكال ، وله صولات على القدر ، ومكايد تبطل لطائف الحيل ، وظرف يظهر في الأخلاق والخلق ، وأرواح تسطع من أهلها ، وتعبق من ذويها . وقال اليماني بن عمرو مولى ذي الرياستين : كان ذو الرياستين يبعث بي وبأحداث من أهله إلى شيخ بخراسان ويقول : تعلَّموا منه الحكمة ؛ فكنّا نأنيه ، وإذا انصرفنا من عنده اعترضنا ذو الرياستين يسألنا عما أفادنا فنخبره ؛ فسرنا إلى الشيخ يوما فقال لنا : أنتم أدباء ، وقد سمعتم الحكمة ، وفيكم أحداث ، ولكم نعم ، فهل فيكم عاشق ؟ قلنا : لا ، قال : اعشقوا ؛ فإنّ العشق يطلق الغبىّ ، ويفتح جبلَّة البليد ، ويسخّى كفّ البخيل ، ويبعث على النظافة وحسن الهيئة ، ويدعو إلى الحركة والذكاء ، وشرف الهمة ، وإياكم والحرام . قال : فانصرفنا ، فسألنا عما أفادنا في يومنا ؛ فهبناه أن نخبره ، فعزم علينا . فقلنا له : أمرنا بكذا وكذا ، قال : صدق ، أتعلمون من أين أخذ هذا الأدب ؟ قلنا : لا . قال : إن بهرام جور كان له ابن رشّحه للملك من بعده ، فنشأ ساقط الهمّة ، خامل المروءة ، دنىء النفس ، سيّىء الأدب ، كليل القريحة ، كهام الفكر « 2 » ؛ فغمّه ذلك ، ووكَّل به من المؤدبين والمنجّمين والحكماء من يلازمه ويعلَّمه ، وكان يسألهم فيحكون له ما يسوءه ، إلى أن قال له بعض مؤدبيه : قد كنا نخاف سوء أدبه فحدث من أمره ما صرنا إلى اليأس منه ، قال : وما ذلك ؟ قال : رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها فغلبت عليه ، فهو لا يهذى إلَّا بأمرها ، ولا يتشاغل إلَّا بذكرها فقال بهرام جور : الآن رجوت صلاحه .

--> « 1 » الشيم : جمع شيمة - بكسر الشين - وهى الخصلة والخلة والسجية ( م ) « 2 » كهام الفكر : ضعيفه متبلده ( م )